السيد الطباطبائي

395

مجموعة رسائل العلامة الطباطبائي

في صحراء قفرة بعيدة لا ينفع بحاله ولا يخلّصه من الهلاك مقدار ذرّة ، كما أنّ الحبّة الواحدة عند الطائر أجلّ قدرا من درّة يتيمة يتنافس فيها الملوك الأعاظم والأغنياء أولو الثروة . ولو أمكن التوصّل إلى هذه الراحات ، وكانت مطيعة للإنسان إطاعة الخيال لم يقصد الدينار قطّ ، ولم يقع فيها إيثار ولا طلب . هذا ، وكلّما كانت الآثار المتفرّعة على الوسائط أكثر وأقوى كان الوقوف عندها أشدّ ، والرواح عنها أصعب ، فهذه كلّها خيرات ظنيّة بحسب ما يلبسه الوهم ، وأمّا بحسب الحقيقة فلا خيريّة فيها ، وإنّما نفعها بحسب ما يوصل إلى الخير ، فلو كان شيء منها بوجه من الوجوه عائقا ، فبمقداره يكون شرّا وضارّا ، فمن الخير ما هو مظنون ومنه ما هو حقيقي ، ومن هنا ظهر أنّ شيئا واحدا ربّما يكون نافعا من وجه وضارّا من وجه آخر . ثمّ إنّ هذه الخيرات وإن كانت كثيرة بحسب الظاهر ، فإنّ أفعال كلّ قوّة من القوى الحقيقيّة كمالات وخيرات لها ، لكن لو فرض اجتماعها في شيء واحد ذي جهات كان بين أفعالها مزاحمة بالضرورة ، فإنّ الأفعال غير الجسميّة الصادرة عن ذوات الأنفس أفعال صادرة على قسم القوى الجسميّة ، فهي على خلاف مقتضى الطبيعة الجسميّة فهي شرور بالنسبة إليها ، وخيرات بالنسبة إلى القوى الفاعلة ، والشيء الذي هو المبدأ إذا فرض واحدا كان في ذاته غير ذي جهات ، بل في قوى ذاته فخيره أعني كمال وجوده أمر واحد ، وإن كانت خيرات وجوده أمورا كثيرة ، فلو كانت قواه في عرض واحد كان خيره هو الاعتدال في أفعالها ، وهو ظاهر ، لكنّ الشيء حيث كان له كمال واحد ، فمن الضروري أن تكون هذه القوى الكثيرة فيه لسدّ طرق الفساد الطارئة عليه من حيث كماله ، فمن البيّن أنّ هذه القوى خوادم جميعا بالنسبة إلى الكمال الأخير ، فهي نوافع فيه فقصدها وإيثارها بمقدار ما هي نافعة وحافظة له ، فالكمال الذي لها بنسبة بعضها إلى بعض هو الاعتدال في أفعالها ،